وهبة الزحيلي

55

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المعجزات الباهرات ، والدلائل الواضحات المحسوسات من إهلاك من كفر برسالتهم ، ونجاة من صدّقهم فقال : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ، وَأَثارُوا الْأَرْضَ ، وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي أو لم يتنقل هؤلاء المنكرون للنبوات ، المكذبون بالآخرة في بلاد الأرض ، فينظروا بعقولهم وأفهامهم ، ويبحثوا في آثار اللّه ، ويسمعوا أخبار الماضين ويتأملوا بمصير المكذبين رسلهم من الأمم الماضية ، علما بأنهم كانوا أشدّ قوة من أهل مكة وأمثالهم ، وأكثر أموالا وأولادا ، وحرثوا الأرض وقلبوها للزراعة والغرس أكثر مما فعل المكيون وسائر العرب لقحط بلادهم ، واستغلوا الأرض أكثر من استغلال هؤلاء . ثم أهلكهم اللّه بذنوبهم وكفرهم وتكذيبهم رسلهم الذين جاءوهم بالمعجزات والأدلة المحسوسة والشواهد الناطقة بقدرة اللّه وتوحيده ، فما كان عقابهم ظلما ، وما كان من شأن اللّه أن يظلمهم وغيرهم فيما حلّ بهم من العذاب والنكال ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بتكذيبهم بآيات اللّه واستهزائهم بها وذنوبهم السالفة . فالعاقل من اتّعظ بغيره ، وعرف أن زخارف الدنيا ومتاعها من أموال وأولاد لا تغني عنه شيئا يوم القيامة ، وقد أكد اللّه تعالى ذلك بقوله : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ، وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ أي ثم كان مصير المسيئين العذاب السُّواى في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم ، بسبب تكذيبهم بآيات اللّه ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته ، واستهزائهم بها وسخريتهم منها . فقوله أَساؤُا السُّواى معناه : كانت السوأى عاقبتهم ؛ لأنهم كذبوا بآيات اللّه ، وكانوا بها يستهزئون . والإساءة : التكذيب والاستهزاء ، وعبر عن العقاب بالجريمة الصادرة من الكفار ، على سبيل المشاكلة .